سهيلة عبد الباعث الترجمان

460

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وجملة القول : إن هذه المفاهيم للدين سواء من عند اللّه أو من عند الخلق ما هي إلا الشرع الإلهي الذي أنزله على أصفيائه من الأنبياء ، بدءا من أولهم آدم ومنتقلا من نبيّ إلى آخر حتى ختم بهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . أو إن شئنا القول : هي الشريعة التي اصطفى بها الحقيقة المحمدية أو الإنسان الكامل الذي هو مصدر الشرائع والنّبوات جميعها ، فهي واحدة في الأصل متعددة في المظهر لظهورها في كل زمن بصورة شريعة نبي ذلك الزمن . أما دين الخلق فهي تلك القوانين الحكمية التي وضعها الخلق لصلاح حالهم في دينهم ودنياهم . وقد أقرّ اللّه ذلك الدين بنوعيه لما فيه صلاح الدنيا والآخرة ، فهنا حالة تخصيص لهذا الدين ، اصطفاه الحق وأنزله على أنبيائه وأورثهم إياه واحدا تلو الآخر دون تغيير في الجوهر وإن تعددت الصور في المظهر . وجريا على عادته وعادة الصوفية ، فإن ابن عربي يلجأ إلى تفسير ما ينطوي عليه هذا الدين من سر خفي يكمن في باطنه وأيضا مقصده منه إلى جانب ما يتضمنه من معنى ظاهر فيقول : " هذا لسان الظاهر في هذا الباب ، وأما سرّه وباطنه فإنه تجل في مرآة وجود الحق ، فلا يعود على الممكنات من الحق إلّا ما تعطيه ذواتهم في أحوالهم ، فإن لهم في كل حال صورة ، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم ، فيختلف التجلي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون . . . ثم السرّ الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أن الممكنات على أصلها من العدم ، وليس وجود إلّا وجود الحق بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها " « 1 » . وفي هذا عود إلى قوله : " بأن الدين كله للّه " وهو مصدر كل شيء بالأصالة ، وأن كل ما يضعه العبد من نواميس حكمية ليس سوى تجل ينعكس على مرآة وجود الحق ، ولا يعود عليها إلا ما يقتضي حالها من طاعة أو معصية ، ولهذا يختلف الأمر من فرد لآخر باختلاف ما هو عليه حاله ، فينعكس على مرآة ذلك الوجود الحق . زد على ذلك أن الممكنات وجميع الموجودات لما كان أصلها من العدم ، لم يكن لها أن تفعل إلّا ما جاءت به الإرادة الإلهية وأمرت به أن يفعل ، وأن وجودها ليس وجودا حقيقيا أو ضروريا ، إنما هو تجل إلهي ، بل أكثر من ذلك أن الحق هو المتجلي بكل صورة من صور الموجودات على

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 96 .